MTN
مؤسسة عدن الغد للإعلام | من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | ارسل خبر | نسخة الموبايل | نسخة القديمة | آخر تحديث للموقع الاثنين 18 ديسمبر 2017 11:24 مساءً

  

عناوين اليوم
آراء العرب
الخميس 05 أكتوبر 2017 07:40 مساءً

لا «أربلا» كردية ولا «بابل» شيعية

 

تنصل الجميع بسرعة من ديباجة الدستور (2005)، الذي كتبوه بأيديهم وعرضوه على العراقيين، و«كلٌّ.. حسَّن واستجادا». تقول الديباجة: «نحن أبناء وادي الرافدين، موطن الرسل والأنبياء، ومثوى الأئمة الأطهار، ومهد الحضارة، وصُناع الكتابة، ورواد الزراعة، ووضَّاع الترقيم، على أرضنا سُنَّ أول قانون وضعه الإنسان، وفي وطننا خُطَّ أعرق عهد عادل لسياسة الأوطان، وفوق تُرابنا صلى الصحابة والأولياء، ونظر الفلاسفة والعلماء، وأبدع الأدباء والشعراء».
هذا النص، وأحسبه قصيدة نثر منمقة بعاطفة كاذبة، عُرض ووافق عليه الجمهور الخاوي من شدة الحصار وهول الغزو، فـ«الناس على دين أحزابهم»، وعذراً للقائل: «الناس على دين ملوكهم». بعدها أُلحق النص بفقرة ملغومة: «استجابة لدعوة قياداتنا الدينية، وإصرار مراجعنا العظام». بمعنى أنها دولة دينية، فالمادة تقول: «لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام»، وبها هُتك قانون الأحوال الشخصية، فتحديد سن الزواج والتعليم المختلط وغيرهما تتعارض مع هذه الثوابت، وتشذيب الاحتفالات الدينية يتعارض أيضاً. لقد جاءت مادة «ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية» مفتوحة مطلقة، فانظر ماذا يحصل مِن تمادٍ في ابتكار مغيبات العقل.

وافق «أبناء الرافدين» على لُغم الدستور، وإذا بهم يتحاكمون وفقه، وأكثر تهمة يوجهها بعضهم لبعض: «خرق الدستور»! فقد ظهر في الأزمة بين بغداد وأربيل زيف الانتماء لـ«صُّناع الكتابة»، و«رواد الزراعة»، و«سن أول قانون وضعه الإنسان»، فلكم كيف تُكتب القصيدة بقلم شاعر خالٍ من الشعور. أرى أنه لا يختلف كتبة الدستور عن المتشاجرين في وسائل التواصل الاجتماعي، لا قيمة عندهم للألف أو الألفي عام، فكردي يتفاخر بآلاف السنين من الوجود القومي بأربيل، وآخر يتفاخر بوجوده القومي والديني والمذهبي من عهد سومر وبابل.
عرض عليَّ أحدهم، بلا حرج، وبتصعيد قومي عبر التاريخ، كمعلومة لا مشورة أو احتمال، بأن الكلدانيين ما هم إلا قبيلة «بني خالد» العربية، على أن المفردة في اللغات الأجنبية تُلفظ «كالد»، واضعاً ما ترجمه الكلداني ابن الوحشية (الثالث الهجري)، في «الفلاحة النبطية» وراء ظهره، بأن بابل لم تكن عربية. كذلك في ظل التعصب الأعمى، والذي دفع كردياً لتمزيق جواز سفره العراقي، يستحيل أن تقنعه بأن أربيل أيضاً لم تكن كردية، كان اسمها «أربلا» أو «أربا- أيلو» (أربعة آلهة)، واشتهرت بعبادة عشتار البابلية، لذا سُميت في الكتابات القديمة «عشتار أربلا» (باقر وسفر، المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة).
على صعيد المذهب، يشتغل المهتمون من رجال الدين بتراث العراق القديم، لكن الغرض هو تأصيل وجود آل البيت في ذلك تاريخ لا أكثر، فآل البيت، حسب ما ذهبوا إليه، ليسوا عرباً ولا قريشيين (!) وقد صنَّف أحدهم كتاباً في الموضوع! على أن هذا الأمر مأخوذٌ بشكل فعلي في مؤتمرات جامعات عراقية كسبق علمي!
يُراد بذلك تأكيد ما ورد في قصص الإخباريين، ومنها خلق الأئمة قبل «آدم وحواء»، بل جاء في بعض الكتب أنهم «خُلقوا قبل الكون من النور». لو بقي الأمر عقيدة مذهبية لا نعترضها، لكن معتنقها صار موجهاً للتعليم والثقافة. بطبيعة الحال، هذا ما لا يدعيه آل البيت أنفسهم، وعليه تأسس التمادي في الطقوس، حتى بات الفصل بينها وبين الحسين الإنسان والإمام عصياً.
على المنوال نفسه انفصل الكردي عن الأجيال التي يتحدث عنها بهذا التعصب، ونسي أن العرب يمجدون صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ)، وكان كردياً، وهو عنده: «صلاح الدين قرمان»، أي البطل. لم تتمرد أربيل على حاكمها التركماني مظفر الدين كوكبري (ت 630هـ)، والمعين من قبل الأيوبي الكردي، ولا على حكامها غير الكرد في التاريخ!
صار التاريخ عجينة يشكلها الأفراد والأحزاب حسب توجهاتهم، فخلال الأيام التي سبقت استفتاء إقليم كردستان، فجأة صار الكردي عدواً لدوداً، وتحولت مواكب حسينية إلى ساحة تحريض ضده، انتهى التحالف بين الأحزاب الشيعية والكردية، وسقطت ديباجة الدستور «نحن أبناء وادي الرافدين»، والكل عاد إلى التاريخ، الذي شكَّله بنفسه، غير مفكر بالفرق بين ألف وعشرة آلاف عام، وماذا حصل خلالها من تبدل الأجناس والمذاهب. تجاوبت الأحزاب مع حماس جمهورها التائه، بعد تركه للتعصب، فالانتخابات قادمة، ولا برنامج مثير أكثر من الكراهية.
من يتأمل التاريخ وأدواره سيتواضع، وسيقول لنفسه: مهلاً، لا «أربلا» كردية ولا «بابل» ولا «أكد» ولا «سومر» شيعية أو سنية. يمكن وصف تمثل التاريخ بهذا العِصاب أنه «التنجيم بالماضي»، وللمعري (ت 449هـ) في «لزوم ما لا يلزم»: «يُنجمون وما يدرون، لو سئِلوا/ عن البعوضة، أنَّى منهمُ تقفُ/ وفرقتهم على عِلاتها مللٌ/ وعند كلِّ فريق أنهم ثقفوا/ ولو درّت مخازيهم، بيوتهمُ/ هوت عليهم ولم تنظرهم السُّقفُ».
* نقلاً عن "الاتحاد"



شاركنا بتعليقك

شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها
الأيام
مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

آراء العرب
بعد أسبوعين على تصفية “أنصار الله” لعلي عبدالله صالح بدم بارد، لم يتغيّر شيء في اليمن سوى انكشاف
إذا كان هناك من إيجابية للعام 2017، فإن هذه الإيجابية تتمثّل في تفريق الولايات المتحدة بين الاتفاق في شأن
في الثالث من سبتمبر 2014، كشفت صحيفة كيهان الإيرانية عن المرحلة الجديدة للتمدد الإقليمي بعد سوريا ولبنان
  على افتراض أن ما صدر من موسكو عن عزمها سحب معظم قواتها من سوريا بالفعل صحيح، فإن ذلك سيخلط الأوراق من جديد
  ليست مهمة الكاتب إزجاء النصائح والتوصيات للرأي العام أو النظام والحزب السياسي. إنما التحدي الكبير له أن
  عَرفَت كل أمم الأرض منذ الأزل، الحروب والنزاعات الدموية بين البشر، لكنها لم تجنِ منها سوى الخراب والدمار
قبل ساعات من مقتل الرئيس اليمني السابق، علي عبدالله صالح، كتبت أن اليمن سيكون الدولة العربية الأولى، من بين
  أربعة مشاهد أطلّت أمس من الأخبار التي استأثرت باهتمام القارئ العربي. وهي مشاهدُ تشير إلى حجم المشكلات
-
اتبعنا على فيسبوك