مؤسسة عدن الغد للإعلام | من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | ارسل خبر | نسخة الموبايل | نسخة القديمة | آخر تحديث للموقع الأحد 28 فبراير 2021 12:56 صباحاً

ncc   

عناوين اليوم
أدب وثقافة

قراءة نقدية .. في رحلة سفر أغنية جوال أحمد الجابري .. وبن سعد

الأحد 21 فبراير 2021 10:18 مساءً
عدن (عدن الغد) الناقد والباحث / عصام خليدي:

قـدم الفـنان الكـبير محـمد سـعد عبـدالله في (أخـــر البوماته الغنائية في بداية التسعينات) ثلاثة أعمال جديدة متميزة قامت بتنفيذها الفرقة الموسيقية (الأوركسترالية) في مصر العربية من كلمات الأديب والشاعر(القمة) أحمد الجابري بعنوان 1- جوال 2- ليش أستويت حساس 3- من زمان أشتي أقولك، وفي الواقع الحديث عن هذه التجربة الفنية المتفردة للعملاقين جديرة بالبحث والدراسة لأسباب كثيرة أهمها أن (اغنية جوال) تبين وتوضح أهمية دور الفن والأدب والثقافة في طرح ومناقشة ومعالجة هموم ومعاناة وقضايا المجتمع المختلفة، بالإضافة لروعة وجمال القصيدة التي تعتبر موضوعاً إنسانياً هاماً تطرق إليه وتناوله الأستاذ الأديب الشاعر الغنائي أحمد الجابري في فترة الإغتراب بإقتدار وصياغة لغوية راقية المعنى والمبنى وصور شعرية أخاذة لامست وجدان ومشاعر كل من أستمع إليها وكان كعادتنا به وديدنه معلماً وأستاذاً في إختياراته الإنسانية والإبداعية .

 

أما فيما يتعلق بالجانب الغنائي الموسيقي (لأغنية جوال) فإنها من وجهة نظري (تحفة فنية) قلما نجد لها (شبيه أو مثيل)، إذ أنها تُـــعــــد بمستواها الموسيقي والغنائي (منعطفاً غنائياً موسيقياً هاماً ودقيقاً في مسار تجربة الفنان محمد سعد عبدالله بشكل عام )، فقد فأجئنا بن سعد منذ الوهلة الأولى في أغنية (جوال) بنضوجاً (موسيقياً) واضحاً وجلياً فيه خصوبة وثراءً وإهتماماً كبيراً ولافتاً  شمل أدق التفاصيل والجزئيات الموسيقية التي أستند عليها في بناء هذا اللحن البديع الذي لحنه على (مقام الراست على درجة الدو) في المذهب ثم ينتقل بنا بعذوبة ويسر بقوالبه وجمله اللحنية من مقام إلى مقام أخر في الكوبليهات محافظاً على وحدة بناء نغمي موسيقي يتجدد بأسلوب متناغم سلس رائع في غاية الترابط والتماسك ينم عن خبرة وحنكة مكنته من هذا الإشتغال الفني غير المعهود، بدءاً بالمقدمة الموسيقية ثم الموال والمذهب ومروراً بالكوبليهات المتعددة بالإضافة للمستوى الفني الرفيع في (اللازمات الموسيقية عالية التكنيك) المصاحبة للأداء الصوتي أثناء الغناء بشكل عام، ويمكننا أن ندرك ذلك الجهد الإبداعي الباذخ والإشتغال المتطور والمبهر بالمقدمة الموسيقية غير المصاحبة للإيقـاع (الأدلـيب - السائب).

 

 ومـــــن ثــــــم غــــنائـــــــه المــــعبـــر المتسلطن والمــــؤثــــر في (الــــمــــوال)  وإرتكـازه على الأبعاد النغمية الصوتية المرتفعة في المساحات الموسيقية التالية : الدو / المي / الفا / الري /.. وصولاً إلى (نقطة الصول في أعلى درجات الجواب) ، تتجلى قدرات (بن سعد) الفائقة في ترجمة كلمة (جوال وإعطائها طاقة وحيوية ديناميكية دراماتيكية) ومايليها في النص الغنائي المكتوب (بحرفية فنية) أرتقت بأبعادها الجمالية والحسية والروحية وصورها الشعرية البلاغية في سياقات ودلالات غنائية موسيقية راقية متدفقة فاخرة ومتنوعة يقول في مطلعها :

 

قلبي مع الشوق فــي درب الهـوى جـوال

 

وأنا مع الشوق في بحر الهـوى جــــوال

 

بأمشي لأخر مدى عمري وأنـــا جـــوال

 

ماهمني الشوك يـدميــنــي ولا الــــــنــار

 

جــــــــــــــــوال بأكــــمــل الــمــشـــوار.

 

التحليل المقامي والإيقاعي :

 

لـُــحــنـــت (أغنية جوال) في المذهب على (مقام الراست على درجة الدو) وبها ينتقل بإنسياب نغمي مقامي إيقاعي رصين ومدروس إلى (مقام الحجاز على درجة الصول) ليعود مرة أخرى إلى (المقام الاساسي الراست على درجة الدو) وفي الكوبليه (الثالث الأخير) ينتقل إلى (مقام جديد البيات على درجة الصول) مطرزاً ومرصعاً بدايته بمقدمة موسيقية إضافية جديدة فيها من الدلالات والإيحاءات والحوارات النغمية المقامية المعبرة عن حالة السهد والحيرة والألم والحرمان مستأنفاً غنائه وسابحاً محلقاً على (أبعاد ومساحات مقام البيات) في هذه الأبيات الشعرية المؤثرة :

 

 يااللي عيونك ليل سهرانه ما بتنام/ تمسي دموعك سيل من شدة الالام، ثم ينتقل (الى مقام الراست على درجة الدو) في المقطع الذي يقول فيه : جوال ما بشتكي غدر الزمان لو جار/ جوال وعمري وانا زي الفلك دوار، ومنه إلى ( مقام الحجاز على الصول) في هذا الشطر من الكوبليه :

 

ماهمني الشوك يدميني ولا النار..، ليعــود مــرة أخرى إلى( المقام الاصلي الراست على درجة الدو) في نهاية الكوبليه الثالث مختتماً (الأغنية) بهذه الكلمات الشعرية الرقيقة والعميقة :

 

 جوال.. بأكمل المشوار ..

 

 وأستخدم  مبـدعنا بن سعد في هذه الأغنية (إيقاع الرومبا المقسوم 4/4)، ولا يفوتني الإشارة  والتأكيد على أهمية اللازمات  الموسيقية في هذا اللحن (غير المتوقعة والخارجة عن المألوف) التي كان لها حضوراً فاعلاً خدم اللحن بشكل مميز جذاب خاصة في المقطع الثالث الذي يقول فيه ويحكي شاعرنا المرهف أحمد الجابري بقصيدته وكلماته المعبرة عن سنوات إغترابه الطويلة الإجبارية والقهرية في المملكة العربية السعودية (جـــــدة) بعيداً عن وطنه وأهله ومحبيه ومعشوقته الأبدية (مدينة عدن) التي أحبها وتغنى بمفاتنها وسحرها وجمالها وطيبة ناسها وأهلها وظـل يعشقها حتى الثمــــالة، أستــــطاع (بن سعد) صياغة الكلمات والمفردات والمعاني في قصيدة  (الجابري) بحالة إبداعية (إسثنائية) توحدت وتمازجت فيها الروئ الفكرية والعاطفية والإنسانية إلى درجة (الإنصهار)  فقدما معاً للجماهير اليمنية والعربية عمل فني وأدبي غنائي موسيقي متكامل متفرد أتسم بالصدق والشفافية الممزوجة بالشجن واللوعة والحنين المتدفق المنهمر سريانه نغماً صافياً رقراقاً يلامـس شغـاف القـلوب.

 

وإلـيكم مـقاطـع الكـوبليـه الثـالـث

 

ياالــلي عــيـــونك ليل ســـهـرانـــه مابتـنـــام

 

تــمســــــي دمــوعــك ســيل مــن شــدة الألام

 

جـــــوال مابــشتــكي غـــدر الزمـان لــو جـــار

 

جــوال وعــــمــري وأنـــــا زي الـــفــلـك دوار

 

مــاهـمـني الــــشــوك يــدمــينـــي ولا الـــنـ،ار

 

جـــــــــــوال.. بـــــأكـــــــــــمل المـــــــشـــــوار

 

وللأمانة نجح الأستاذان أحمد الجابري ومحمد سعد عبدلله في تصوير و تجسيد قسوة ومعاناة ومرارة (الإغتراب أثناء تواجدهما خارج الوطن) فالمستمع المرهف المتذوق والمتــأمل لكــلمات ومفـــردات ( سـهرانه مابتنـام) ، (مـــن شــــدة الألام) ، ( جـــــــوال)، ( دوار ) ، ( من غير ماء أو زاد ) ، ( بأكمل المشوار ) .. في سياقاتها وبناءاتها اللغوية الأدبية البلاغية والموسيقية الغنائية سيشعر ويلمس العناية الفنية الفائقة المتجددة والمغايرة في إطار النص الغنائي المكتوب المقروئ والملحون المسموع المحبوك والمشتغل بمعالجة إبداعية ثرية غنية عميقة الأثر أختزلت وتضمنت بين ثناياها مايحرك الأحاسيس والمشاعر والافئدة والقلوب (فيبكيها) .

 

بالمناسبة هذا العمل الجميل والرائع لم يحظى إعلامياً بما يستحقه من الإهتـــمــام (ولم يعرض ويبث في الفضائيات اليمنية) وأجهزة الإعلام التلفزيون والإذاعة في عدن وصنعاء رغم تسجيله بطريقة حديثة نفذها المخرج المبدع جميل علي عبيد تلفزيونياً على أكمل وجه وصورة منذ وقت طويل ولكن السؤال المهم...؟

 

 من يستطيع أن يدرك قيمة ومستوى هذه الأعمال الفنية الخالدة..؟

 

التي جاءت في الزمن الضائع زمن غياب وإنعدام المعـايير والمـــقاييس الإبـــداعية وإفســاح المجـــال في ( الفضائيات) للأدعياء أشباه  المطربين الذين أفسدوا الذوق و المزاج الفني العالي والرفيع .

 

رحم الله (فناننا الغائب الحاضر بن سعد ظلم حياً و ميتاً)، ولم تلتفت إليه الجهات المختصة والرسمية ممثلة بوزارتي الثقافة والإعلام رغم مناشداتنا وصرخاتنا في الصحف أثناء الأزمات النفسية والمعنوية الصحية والجسدية الصعبة والمؤلمة التي تعرض لها في السنوات الأخيرة من حياته وظل يعاني من تبعات وويلات مرارة وقسوة وشدة وطأة المرض والإحباط والإكتئاب بسبب التجاهل والنسيان والتغييب والتهميش والجحود والنكران وإنعدام الوفاء والعرفــــان،(عاش معجم الغناء اليمني بفن الأصالة والمعاصرة محمد سعد عبدالله) فقيراً لايملك إلا رصيده الفني الراقي والضخم ومحبة عشاق فنه من الجماهير العريضة في الداخل والخارج، لم يكن باحثاً عن الشهرة والمال والجاه والمناصب، كان فقيد الغناء اليمني (النموذج والإستثناء) بزهده وتعففه عن الصغائر في سلوكياته وأخلاقياته الفنية والإنسانية، وقدم بمسيرته الفنية الزاخرة والحافلة للأجيال المتعاقبة أروع وأعظم العبر والدروس التي عمقت ورسخت مفاهيم ومعاني التواضع والطيبة والبساطة وروح التضحية والإيثار ونكران الذات والتشبت بالمبادئ والقيم الجمالية والإبداعية والإنسانية والتفاني والإنتماء والولاء للوطن ، عاش (بن سعد) فناناً راهباً متعبداً في محراب الوطن رافضاً كل الإغراءات والشهرة والمال في الخارج،  فترجم كل تلك الصفات والمميزات في مشوار حياته الغنائي الموسيقي بحرفية ومهنية وفذاذة جسدها عن طيب خاطر وقناعة مطلقة في أنصع وأبــهى تجلياتهـا في هذه المقولة (الفــقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن) ،هكذا حال مبدعينا العظماء صناع السعادة والمحبة والفرح والأمل والتسامح ومن هم على شاكلة (بن سعد والجابري) يمنحون شعوبهم وأوطانهم (الحضارة والحياة ) ولا يبتغون (ثمناً) لماقدموه من عطاءات وإبداعــــات ( وشمت على صفحات وسجلات الزمان) ..

 

ختـــــامـــاً:

 

 لايســـعني إلا أن أدعـــو كــل عشـــاق الـــفن والطـــرب الأصـــيل لســماع (الألبوم الغنائي جوال) والإستمتاع بعوالم السحر والجمال.

 

أبــــــيات مختــارة من (كـوبليهات أغنية جوال)

 

ليل النوى ياهـــوى غربة ســـفر وأبـــعـــــــــاد

 

فيــه الظمأ والجـوى من غـــيـر مــاء أو زاد

 

جوال ما بـشتكي غـــدر الزمـن لـــو جـــــــــــار

 

جـــوال عـــمري وأنــا زي الــــــــفـــلك دوار

 

 ماهمـني الــشــــوك يـــدمــينـــي ولا الــنـــار

 

جـــــــوال.. بأكـــــــــــمـــل الــــــــمـــشـــــوار

 


المزيد في أدب وثقافة
نادي أقرأ فرع عدن يقيم أول اجتماعته بعد هيكلته الجديدة
أقام نادي أقرأ فرع عدن اليوم السبت الموافق 27 فبراير أولى اجتماعته بعد هيكلةٍ جديدة أُضيف فيها طلاب وطالبات جدد خلفاً لبعض أعضاءه السابقين .. وضمّ الاجتماع تعريفاّ
الحب أم النجاة ؟!
كثير ما نقرأ عن قصص الحب والتى تنقسم إلى أسطورية وصادقة وكاذبة...الخ، والأغلب بالطبع يعرف مجنونا ليلى - قيس بن الملوح وقيس بن الذريح - اللذان أحبا حتى داهمهما جنون
(شعر) سَرَابُ الحياة
ونَعيشُ في دُنيا الفَناءِكأنَّها دارُ البَقاءْنَمشِي طويلًا في الحياةِفَلاَ نَجِدْ إلاَّ الشَقاءْرَكضاً وراءَ لهيبِهاالعاتِي المُلطَّخِ بالعَناءْأوجاعُها لا




شاركنا بتعليقك

شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها

الأيام
مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

الأكثر قراءة
استشهاد قائد القوات الخاصة بمأرب عبدالغني شعلان
تعقيم مدرسة بعدن واغلاقها عقب اكتشاف اصابات كورونا
ضابط عسكري من ابين يروي تفاصيل معارك مأرب 
عاجل: مدير عام مديرية البريقة يقدم استقالته من منصبه
تعرف على أسعار الصرف صباح اليوم السبت بعدن وصنعاء
مقالات الرأي
  ‏بقضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي -رحمه الله- مارسوا الضغط على السعودية، قائدة التحالف باليمن، لتقبل
-لم تفضِ إلى شيءٍ  تشكيل حكومة المناصفة التي تشكلت قبل شهرين بين الطرف المسمى بالشرعية والمجلس الانتقالي
صدر أمس الأول  الخميس قرار مجلس الامن الدولي رقم 2564  في ضوء مداولات أعضاء المجلس عن  الوضع الراهن في
  بقلم /عدنان الخضر نظمنا رحلة كبيرة أيام الثانوية وأصر بعض أعضاء اللجنة المنظمة على الذهاب لمنزل شخص
كلنا يتابع الأخبار سواء عبر الشاشة الفضية أو الصحف والمجلات ومع التطور التكنولوجي يضاف لها وسائل التواصل
يمتاز الشباب بالطاقة والحماس لإنجاز الأعمال والمشروعات التي يشتغلون عليها وهناك شباب مبدع لديه قدرة على
لقد عكست وفاة الفنان المبدع رائد طه يوم الأربعاء الماضي، الواقع الذي يعيشه جميع المبدعين في بلادنا ومنذ زمن
الفلاح كلمة لها أكثر من معنا ودلالة فهي دعوة من دعوات آذان الصلاة ( حياء على الصلاة حياء على الفلاح )  وفلاح
  إلى أين يذهب اليمن في ظل عقلية السياسي الأناني والمُخدوع التابع اللذان يقبلان ويبرران دائما على أن هذا
  ==========   السبت : --------   لا أدري ما هو السرّ وراء استشراء داء الشيزوفرينيا في أوساط المثقفين ؟ لي عديد من
-
اتبعنا على فيسبوك